على قدر ضخامتها وتلاحق التعديلات في إدارتها، جاء حجم التساؤلات والشكوك حول حالة الاستقرار التي تعانيها "إعمار المدينة الاقتصادية"، وانعكاس ذلك على وجود رؤية واضحة تصل بمشروع المدينة إلى بر الأمان، وفق ما يتداوله مستثمرون في السوق السعودية.
فبين 7/10/2006 موعد أول اجتماع لمجلس إدارة الشركة، و26/3/ 2008 تاريخ آخر استقالة، حدثت عدة تغييرات هيكيلة متسارعة طالت مراكز إدارية عليا، على مستوى الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب، دون أن تكون تلك التغييرات -لاسيما الاستقالات- مرفقة بالتبريرات التي تقنع عموم مساهمي "إعمار السعودية" وتهدئ من قلقهم .
"الإماراتية" قلقة على "السعودية"
ماذا وراء هذا الاستقالات والتعيينات؟، سؤال توجهنا به إلى المحلل الاقتصادي محمد العمران الذي سبق أن نبه إلى القضية، فاعتبر أن هذا السؤال يبحث عن إجابة وافية كنا ننتظرها من الشركة، خصوصا أن مشروعها يحمل اسم الملك عبد الله ولابد أن يكون مدعوما بكل المقاييس.
ولفت إلى أن هذه الانطلاقة المترددة على مستوى الإدارة يمكن أن تؤثر بوضوح على خطط العمل، وتضع "إعمار الإماراتية" ضمن دائرة القلق على "إعمار السعودية" وأدائها، واصفا التعديلات الإدارية المتتابعة داخل الأخيرة بأنها سابقة في تاريخ الشركات العملاقة بالمملكة وظاهرة سلبية، تضرب الاستقرار الإداري في مقتل وتشكك بوجود رؤية حقيقية، مع تعاقب 3 أشخاص على منصب الرئيس التنفيذي خلال قرابة سنتين من عمر الشركة.
وأبدى العمران قناعته بأن "إعمار المدينة الاقتصادية" تحتاج إلى إدارة راسخة تكون على مستوى وزن الشركة ومشروعها، متمنيا أن يتوقف قطار التغيير الإداري لثلاث سنوات على الأقل، لاسيما وأن أرض الواقع لم تشهد سوى القليل جدا من الإنجازات، قياسا إلى حجم المدينة والآمال المعقودة عليها.
وقلل عضو جمعية الاقتصاد السعودية من الأثر المحتمل لهذا الوضع على سعر السهم وجاذبيته، مطالبا في الوقت ذاته بتوضيح من مجلس الشركة يضع النقاط على الحروف.
وخلال الأسبوع الأخير من التداولات، خسر سهم "إعمار" في السوق السعودية 5% من قيمته، مغلقا عند مستوى 19.25 ريالا، وذلك بعد قرابة سنة ونصف على إدراجه عند سعر 10 ريالات.
إشارة خفية
فيما قال عضو في إحدى مجالس الشركات المساهمة السعودية فضل حجب اسمه متذرعا بحساسية الموضوع، إن مراجعة إعلانات الاستقالة أو التعيين تعطي دليلا قاطعا على التخبط الذي تعانيه "إعمار"، فعندما انضم الدكتور عبد الرؤوف مناع إلى الإدارة عضوا منتدبا في مارس 2007، امتدح رئيس مجلس الإدارة هذا الانضمام لشخص لديه خبرة طويلة في "قيادة شركات كبرى"، وسرعان ما عُيّن مناع رئيسا تنفيذيا، وبسرعة أكبر تمت استقالته أو إقالته بعد قرابة 3 أشهر من توليه المنصب فقط.
ونبه العضو في حديثه لـ"الأسواق نت" إلى أن إعلاني تعيين كل من منّاع وفهد الرشيد، كانا مشفوعين بتزكية مسهبة من رئيس مجلس إدارة الشركة محمد العبار، وبطريقة لم نعتدها في الإعلانات المشابهة من بقية الشركات، وكأن "إعمار" تريد تهدئة مخاوف مساهميها من هذه التغييرات المتواصلة في إدارتها.
وأضاف مركزا على الإعلان المتضمن تعيين الرشيد بالذات: لقد كان طويلا إلى درجة خرجت عن المألوف في تعداد خبرات العضو المعين، والمناصب التي شغلها، حتى خلص إلى وصفه بأنه صاحب باع طويل في تمويل المشاريع وإدارة السيولة، ما قد يحمل إشارة خفية إلى صعوبات معينة تواجهها "إعمار" في هذا المجال.
ومن واقع متابعته الحثيثة لملف التعديلات الإدارية في الشركة، حسب تعبيره، أكد العضو أن الإعلان عن تعيين فهد الرشيد جاء مباغتا وعاجلا، إلى حد أن تاريخ مباشرة مهامه كان في نفس يوم الإعلان، دون أي مهلة فاصلة، وهو أمر يثير التساؤل عن سر العجلة وما إذا كانت مرتبطة بوضع حرج لا يحتمل التأجيل مطلقا.
كما ذكّر العضو بالدور المحتمل للمشاكل التي تعرضت لها "إعمار الإمارتية"، في فرض مناخ "التقلبات الإدارية" في "إعمار السعودية"، وهذا الأخيرة نفسها كانت طرفا في إحدى النزاعات مع الشركة الأم، حين اتهمتها بالإخلال بعقد شراكة بين الطرفين.
من ناحيتهم، أوضح مستثمرون في سوق الأسهم المحلية أنهم ينظرون بعين الريبة إلى ما يجري من تعديلات متتالية في صفوف الإدارة العليا للشركة، التي تتولى واحدا من أضخم مشروعات التنمية العقارية في المنطقة والعالم.
وأشار متعب الموسى أن الفكرة السائدة لدى معظم ملاك سهم "إعمار" تكاد تجزم بأن التغييرات الإدارية ليست مجانية، ولا هي بدافع أسباب شخصية بسيطة، بل تتعلق بتعثر كبير في تنفيذ الخطط الموضوعة والالتزام بها، في ظل الضغوط التي جلبها المشروع لنفسه عبر الدعاية المبالغ فيها أحيانا.
عقدة الاختيار وصعوبة الاستمرار
وعقّب المستثمر عمر حسن الألمعي على كلام الموسى معتبرا أن التغيير في المناصب العليا جاء على خلفية تباطؤ الإنجاز، ولكنه قد يكون محفزا إضافيا لهذا التباطؤ إذا استمرت عملية التبديل الإداري بنفس الوتيرة السابقة، ما يساهم في إمالة كفة الرأي لصالح من يراهنون على توقف المشروع أو ظهوره بصورة مغايرة لما تم الإعلان عنه.
البعض خالف النقطة الأخيرة، ومنهم سعد الحمزة الذي استبعد فشل المشروع نهائيا، نظرا لاستراتيجيته وضخامته ورمزية الاسم الذي يحمله، وهي عوامل عقّدت على ما يبدو اختيار الشخصية المناسبة لإدارة المشروع، كما صعّبت استمرار أي شخص لا يحمل طاقات استثنائية في منصبه، ولهذا شهدنا سلسلة التغييرات، حسب رأيه.
وتتولى "إعمار السعودية" مهام المطور الرئيس لمشروع مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، الذي يمتد على مساحة تعادل 168 مليون متر مربع، شمال مدينة جدة، حيث يتوزع المشروع على ست مناطق هي: الميناء، المنطقة الصناعية، المدينة التعليمية، حي الأعمال المركزي، الأحياء السكنية، المنتجعات.
وينتظر للمدينة الأضخم ضمن سلسلة المدن الاقتصادية في السعودية أن تستوعب حوالي مليوني نسمة، وتوفر مليون فرصة عمل جديدة، حسب ما وعدت به أرقام المشروع، عندما تم إطلاقه في 20 ديسمبر 2005، قبل أن تتم الموافقة لاحقا على تأسيس شركة "إعمار المدينة الاقتصادية" برأسمال 8.5 مليار ريال، مقسمة على 850 مليون سهما طُرح منها 30% للاكتتاب العام.